أبي طالب المكي

12

علم القلوب

المعرفة ، أما ما لم يعرفوه ، وما لم يصلوا إليه من فنون العلم ، فلم يضعوا له ألفاظا تدل على معناه ، وحينما ترتقى مدارك إنسان ما حتى يحلق في آفاق المجهول غير المنظور ، فإنه يقع في دوامة الحيرة ، لا يستطيع التعبير عما شهد من جديد في العلم والمعرفة ، ولا يجد من يشاركه في نفس المشاهدة إلا القليل ، فإما أن يرجع إلى ما وضعه سابقوه لهذا اللون من المعرفة من ألفاظ يعبر بها عن معناه ، وإما أن يضع هو ألفاظا يعبر بها ، ومشاهدته لا تكون غريبة عنه ، ولكنها تكون غاية في القرابة عند غيره من الناس حتى تصل عندهم إلى مظنة الاتهام . ومهما يكن من أمر ، فإن دراسة كتب السلوك الديني لازمة لكل الناس ، يأخذ المحققون منها حاجتهم من الحقائق ، وغير المحققين لهم فيها الملاذ من القلق والاضطراب ، ولهم فيها اليقين الذي فقدوه بين أمواج الزخرف والزينة والتكاثر ، ولهم فيها الإخلاص الذي لا بد منه ، ولهم فيها راحة الأرواح الحائرة ، وضابط العقول النافرة ، وتصحيح الأعمال ، وإصابة الخير الكثير بعمل واحد ، أما المتجردون للّه بأعمالهم ، فلهم فيها ميزان تجردهم وضوابط ميلهم العليا ، حيث يسلك في هذا المسلك أفراد في العالم كانوا عجيبة الأعاجيب أمام الذين لم يألفوا هذا السلوك من الناس . وبعد ، فهذا كتابنا الذي نقدمه اليوم ، نرجو أن يقع خالصا للّه تعالى ، كما أرجوا أن يكون التقصير في إعداده مدعاة للدعاء لي بالتوفيق في المرات التالية ، وادعوا اللّه أن يجعل نفعه عاما للمسلمين ، وأتقدم بالشكر لمن قدم لي عونا في تحقيقه ، ولا سيما : الدكتورة / فايزة كمال الدين . والأستاذ / فؤاد السيد . والأستاذ / محمد شلبي . والأستاذ / السيد عشماوى . والأستاذ / عبد الفتاح الملاح . والأستاذ / أمين خورشيد الذين يقدمون للجميع في قسم المخطوطات بدار الكتب خدمات تجل عن الوصف ، نفعهم اللّه ونفع بهم ، إنه سميع مجيب . عبد القادر أحمد عطا * * *